إنفلونزا المسؤولين!!!

أيار 11th, 2009 كتبها أماني محمد ناصر نشر في , مقالات ساخرة

على الشاطئ الرملي للبحر، جالسة كنتُ وحدي، على يميني فنجان قهوة وكوب ماء، وسيجارة لم أعتدها إلاّ في ذلك اليوم، وقبالتي يجلس على طاولة أخرى، ذات المسؤول الذي رأيته للمرة الأولى في العاصمة، والذي طردني من مكتبه حينما علم أنني لستُ صديقته المسؤولة الفلانية التي كانت تنتظره في الخارج وأخطأ الحاجب بيننا وأدخلني عوضاً عنها!!!
كالعادة، كان حوله رجال يشبهون المصارعين الأميركيين…
كنتُ أستذكر ماضيي الرهيب، ماضي مواطنة مقهورة لحد الألم والوجع، من مسؤول يركب أفخر أنواع السيارات لتقله لأفخم الفنادق في ذات الوقت الذي تنتظر به بفارغ الصبر الباص الأخضر الطويل كي يقلها لوظيفتها…
من مسؤول يأكل الكافيار في ذات الوقت الذي تكون حصتها من الفلافل حصة القط الجائع دوماً…
من مسؤول كل مفاتيح الكون معه، مفتاح رصيده البنكي، وسياراته الفارهة، ومنازله المتنوعة، ويخته البحري، ومعامله وشركاته، في ذات الوقت الذي تعتز فيه أنها كبرت وقدّم لها ذويها مفتاح منزلهم (الباطوني، نسبة إلى الباطون) الحجري…

التفتُّ إلى حقيبتي لأتناول منها علبة كبريت صغيرة لأشعل سيجارة، وهج الشمس جعلني فجأة أطلق العنان لتكشيرة من حاجبي الأيسر كما يطلقها مواطننا المغلوب على أمره حينما يصل لسمعه زيادة أسعار المواد الغذائية…
بحركة لا إرادية خبّأت وجهي بين يدي، كما يخبئ المسؤول العربي وجهه حينما يمر أمامه مواطن اختلس منه مالاً مقابل وظيفة له لن ترى النور (اختلس المسؤول من المواطن)…
وعبثاً فتشتُ عن علبة الكبريت ولم أجدها!!!

بصارة بصارة، تحبي آخد بختك يا بت؟
قلت لنفسي ولمَ لا، لأجرب بختي…
ناديتها
شوفي اسمك إيه يا شابة؟
اسمي ريا، أقصد أماني…
بيضي البخت…
يعني إيه…
يعني ادفعي فلوس
منين؟
مش عارفة، ادفعي وبس

التفتُّ ثانية إلى حقيبتي لأتناول منها مالاً، وقعت عيني في عين المسؤول، رجفت، ارتفعت حرارتي، عطستُ، وركض كل رجاله ليضعوا كمامة على وجهه، خوفاً من انفلونزا المواطن العربي المقهور على أمره!!!
فتشتُ عبثاً عن خمسين ليرة كانت في حقيبتي ولم أجدها…
تناولتُ ساعتي وقدمتها لها، قائلة:
- لا املك غيرها
لا أدري كيف رضيَت بها وعلى مضض… المهم أنها رضيت وقالت لي:
- اسمعي يا بت يا أماني، أمامك 3 مفاتيح، ماشاء الله ماشاء الله
- كم؟
- أقولك 3 مفاتيح!!!
- يعني إيه؟
- مش عارفة، حكتبلك حجاب تحطيه تحت مخدتك، وتنامي وتشوفي المفاتيح في منامك وتعرفي هيّ خاصة بإيه؟

ورحت أفكر في هذه المفاتيح، هل هي لشقة وسيارة وشركة؟
رصيد في البنك، ويخت، ومقعد في المجلس النيابي؟
لماذا التسرع؟
سأنفذ ما قالت وأرى
ولأني مواطنة عربية مغلوب على امرها، تعلقت بتلك القشة، قشة الثلاث مفاتيح وصدّقتُ القصة!!!

ذهبتُ إلى المنزل، وعلى رؤوس أصابعي مشيت وفي يدي الحجاب أقبض عليه كما يقبض المسؤول العربي على كرسيه الجالس عليها…
وضعت الحجاب تحت وسادتي كما أوصتني البصارة، ونمتُ قريرة العين هذه المرة دون الحاجة لابتلاع حبة دواء منوّم، إذ أنني سأرى مستقبلي كله متجس

المزيد


المواطن… عربي!!!

أيار 25th, 2008 كتبها أماني محمد ناصر نشر في , قصة قصيرة, مقالات ساخرة

 
تنقلات مواطن عربي!!!
 
 
مسكين… هو مواطن عربي بجدارة، اشتكت أمه منه كثيراً أثناء ولادتها له…
تأخر في الظهور وصارع كثيراً كي يبقى في رحم امه، وكانه يأبى هذه الدنيا ويشعر مسبقاً بما ينتظره فيها، لدرجة أنّ الطبيب الذي ولّده في مشفى حكومي كاد ان يترك الام لمصيرها المجهول، مستاء من هذا الطفل العاصي العصي…
ولكن، وبعد جهود أربع وعشرين ساعة متواصلة، أطلّ رأسه العربي المنحوس، وسرعان ما أطلق نوبة من البكاء الحاد!!!
تنفّس الطبيب الصعداء، أخيراً أنجز مهامه بنجاح، وفرحت امّه به، وصارت تهتف:
- صبي، صبي، يامّا جبت صبي!!!
ثمّ راحت في إغفاءة طويلة!!!

انتقل أحمد من المشفى الذي ولد فيه إلى منزله الذي شهد طفولته البائسة، كانت والدته تعاني من فقر الدم، وبالكاد ترضعه، فاستأجرت مرضعة كانت مثلها تعاني، لكن ليس من فقر الدم، بل من فقر الجيب، وبالرغم من أنّ السعر الذي كانت تناله من ام مسكين، إلا أنه كان كافٍ لتنقلاتها عبر المواصلات التي قفز سعر وقودها للضعف…
أبو مسكين مات فقعاً حينما كان قد جمع بعض المال ليشتري به بعض الحديد والاسمنت كي يعمّر غرفة صغيرة للبقرة التي قيل إنها ضلّت طريقها، ليتبيّن من همس نسوة الحارة أنّ هذه البقرة تخلى عنها صاحبها الملقّب بأبي حشيش وذلك بسبب غلاء الحشيش (التبن)، الغذاء الأساسي للبقرة التي وجدها أبو مسكين فسوّلت له نفسه أنه قد ينتفع من حليبها يوماًً، لكن هذه البقرة أبت أن تدر عليه حليباً بسبب تراجع نوعية الغذاء الذي كانت تجتره فيما سبق، وبالرغم من ذلك، ظلّ أبو مسكين مصمماً على بناء غرفة لها، لكنه مات فقعاً لحظة إعلان غلاء أسعار الاسمنت والحديد!!!

كبر مسكيننا، وأصبح في السادسة من عمره، فانتقل إلى مدرسة كان الوصول إليها يكلفه الكثير من المال، وذلك بسبب غلاء أسعار وقود المواصلات التي تقلّه إلى المدرسة…
نجح احمد في المرحلة الابتدائية التي جعلت والدته تطلق الزغرودة الاولى لابنها، فانتقل

المزيد